ابن عطاء الله السكندري

104

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

تقول العرب : أمرح الفرس فمرح ، فهو فرس مرح وممراح ، وإذا شبع فأخذ يمشى بخفة ونشاط واختيال ، ويقال : مرح الرجل ؛ إذا اختال في مشيته ونظر في عطفيه ، ولا يكون ذلك إلا لفرحه بنفسه وإعجابه بها . ( وخرق الأرض ) : ثقبها . ( والطول ) : ارتفاع القامة . اللغة : نصب ( مرحا ) ب ( تمش ) ؛ لأنه متضمن له تضمن الكلى لجزئيه ، إذ المرح جزئي من جزئيات المشي ؛ فكأنه قال : لا تمرح مرحا ، ونظيره قول الشاعر : يعجبه السخون والبرود * والتمر حبا ما له مزيد فنصب ( حبا ) ب ( يعجب ) ، لأن الإعجاب متضمن للحب . أو نصب على أنه حال : ك ( جاءني زيد ركضا ) . ونصب ( طولا ) على أنه تمييز ، أي : من جهة الطول ، والتقدير : ولن يبلغ طول الجبال . المعنى : حب النفس سبب العجب : حب الإنسان لنفسه غريزة فيه ، وذلك يحمله على الإعجاب والفرح بها ، وبكل ما يصدر عنها ، ويستخفه ذلك حتى يتركه يمشى بين الناس مختالا مختبرا ، وهذه هي مشية المرح إلى نهى اللّه تعالى في هذه الآية عنها . ولما كانت هي فرعا عن الإعجاب بالنفس والفرح بها ، فالنهي منصب على أصلها كما انصب عليها . لطيفة في الدواء : ولما كانت هذه العلة ناشئة عن علة العجب ، أعقب اللّه تعالى بيان الداء الذي نهى عنه ، بذكر الدواء الذي يقلعه من أصله ، فقال تعالى : وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا ( 37 ) [ الإسراء : 37 ] ، فذكر الإنسان بضعفه بين مخلوقين عظيمين من فوقه ومن تحته ، فإذا ضرب برجليه الأرض في مرحه فهو لا يستطيع خرقها ، وإذا تطاول بعنقه في اختياله فهو لن يبلغ طول الجبال ، فقد أحاط به العجز من ناحيتيه . وذكر الإنسان لضعفه وعجزه أنجع دواء لمرض إعجابه بنفسه . نعم ؛ الإنسان أعظم من الأرض والجبال بعقله ، ولكنه لو سار على نور عقله لما مشى في الأرض مرحا ، لأن عقله يبصره بعيوب نفسه ، ونقائص بشريته ، فلا يدعه يعجب ، فلا